ابن كثير
237
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
سورة العنكبوت وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 ) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 4 ) أما الكلام على الحروف المقطعة ، فقد تقدم في أول سورة البقرة . وقوله تعالى : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ استفهام إنكار ، ومعناه أن اللّه سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان ، كما جاء في الحديث الصحيح « أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء » « 1 » وهذه الآية كقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ . . . وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ براءة : 16 ] ومثلها في سورة براءة . وقال في البقرة : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة : 214 ] ولهذا قال هاهنا وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه ، واللّه سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون . وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة ، وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله : إِلَّا لِنَعْلَمَ * [ البقرة : 143 ] إلا لنرى وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود ، والعلم أعم من الرؤية ، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود . وقوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان ، فإن من
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المرضى باب 3 ، والترمذي في الزهد باب 57 ، وابن ماجة في الفتن باب 23 ، وأحمد في المسند 1 / 172 ، 174 ، 180 ، 185 .